الصحراء لايف : تأليف / أنا إيريني مينديز بينييا // ترجمة / سيدي صالح الإدريسي
منذ سنة ونصف وأنا عاطل عن العمل. لا أستطيع عد السير الذاتية التي قدمتها دون فائدة للظفر بعمل ما. إلا أن القليل الذي استطعت تحقيقه، في بعض الحالات، كان هو تحديد موعد لي لإجراء المقابلة. ولكي أكون دقيقا، أجريت مقابلتين في عضون ثمانية عشر شهرا. في المقابلة الأولى عرض علي مدير الموارد البشرية في مؤسسة بنكية منصب ساعي بريد. إلا أني اعتبرت هذا العرض إهانة لشخص مثلي حاز منذ وقت قصير على شهادة دكتوراه في العلوم المالية بمعدلات مرتفعة جدا و بفضل منحة حكومية. فضلت أن يقولوا لي أن المنصب لا يناسب مستواي الأكاديمي العالي. هذا ما أردت إظهاره للمحاور. “في البداية”، قال لي، “إنها الأزمة، وثانيا، نحن عدنا في هذه المرحلة إلى الإجراءات القديمة، والمتمثلة في أن العمل في البنك يتطلب البداية من أسفل السلم المهني…”.
كانت المقابلة الثانية مخيبة للآمال. كان عرض العمل الجديد من تلك العروض التي يجب فيها على المرء أن يرسل سيرته الذاتية على عنوان بريدي لا يشار فيه إلى نوع المقاولة التي يريد الشخص العمل فيها. استدعوني لإجراء المقابلة في بحر الأسبوع الذي أرسلت فيه السيرة الذاتية، والتي تم إجراؤها في صالون مستأجر في فندق في وسط المدينة. نزع مني المشهد جذوة التفاؤل، التي بدأت في التبخر رويدا رويدا طيلة فترة المقابلة. أطلعني المحاور على تصاميم الفندق الذي سيشيد عما قريب، حيث عرضوا علي منصبا. بدا في الحقيقة فندقا مثل أي فندق آخر، مع ميزة طفيفة في الواجهة، ومكتب استقبال مزور لخداع مراقبي البناء التابعين للبلدية. في الحقيقة، يدخل الشركاء مباشرة بسياراتهم إلى الشقة، والتي يغادرونها بعد وقت قصير. هذه التجارة هي المربحة والتي تدر الملايين على أصحابها، في مجتمع أصبح يسير نحو الهاوية. كان علي العمل مديرا للمناوبة الليلية في حالة قبولي لشغل المنصب. أظن أني عند الشروع في مزاولة العمل بالفندق، سأغادر الفندق متخفيا حال انتهائي من مناوبتي مثل الزبناء الذين لا يرغبون في أن يراهم أحد يخرجون من مكان كهذا. إنها الأسرار الأكثر حميمية لأي مدينة.
وفي خضم تلك التجارب البئيسة، ها أنا اليوم أجهز نفسي لمقابلة ثالثة. استدعتني سكرتيرة رئيس مقاولة للمحاسبين والمفتشين الماليين لمقابلة مع رب عملها في التاسعة صباحا. نبهتني تلك الشابة بكل لطف إلى أن رب عملها، والذي كان في السابق من جنرالات الجيش، دقيق للغاية في مواعيده. شكرتها ووعدتها أني سأكون في مكتبه في الموعد المحدد. أعتقد أن هذه فرصة العمر.
استيقظت اليوم في الخامسة صباحا، تعب من بقائي في السرير صاحيا منذ الثالثة فجرا. أردت أن أعتني بتفاصيل مظهري الخارجي. ارتديت قميصا أبيضا، وسروالا أزرقا، وربطة عنق رمادية. لم أعرف لماذا قلت: من سأخدع؟، فأنا لا أملك غير هذه الملابس. فملابسي والعديد من أشياء شقتي كانت من نصيب دار الرهن؛ منها الأواني، والملاعق وسكاكين المطبخ، والكؤوس، كما أن الكثير من كتبي القيمة باعها تاجر كتب مستعملة بثمن بخس…
ربطت شعري للوراء، كما أفعل دائما، وفطرت بقهوة محلاة بالكثير من السكر. كنت في مقر المقاولة على الساعة 8 و55 دقيقة. السكرتيرة التي كانت ترتدي ملابسا مثل الراهبات اللائي يسكن ويعملن في الأديرة، قالت لي: “يجب أن أنتظر حتى الساعة الثامنة و59 دقيقة و30 ثانية لإخباره بقدومك، وإلا فإن الجنرال سيغتاظ بشدة وهذا لن يكون في صالحك”.
عندما دخلت مكتب رب العمل، لم يرفع بصره عن أوراق بين يديه كان يتفحصها. كانت لدي دقائق معدودات لملاحظته قبل أن يعزم هو التأكد من أني واقف في الجانب الآخر من مكتبه. كان رجلا بدينا بشارب مثل شارب بانتشو بييلاPancho Vilal ++، وحليق الشعر على طريقة تلاميذ المدرسة العسكرية. أُلصقت على جدران المكتب صور تبين مساره العسكري. كانت واحدة من تلك الصور بارزة لكبر حجمها، كان فيها الجنرال يعتلي جوادا أبيضا جميلا، ويظهر فيها بهيئة بطل وطني.
عندما لاح بصره، لاحظ أني أشاهد الصور. “هذه الصور شاهد إثبات على التزامي الدفاع عن الوطن”، هكذا قال بينما استدار إلى اليسار نحو الحائط ونفخ صدره كديك رومي ينعق في زريبته. شد انتباهه نحوي عندما رمقني ببصره واقفا أمام مكتبه. تغيرت قسمات وجهه فجأة، وأشتعل وجهه حمرة من الغيظ. نهض من كرسيه وأدركت حينها أن قامته بطول حوالى مترا وتسعين سنتيمترا. قوس ذراعيه مثلما تفعل الغوريلات ونهرني قائلا: “وماذا اعتقدت؟ أظننت أنها مقاولة خنافس؟. لو كنا في الجيش لجعلتك تحلق شعرك. أخرج من هنا أيها الخنفس القذر”.
خرجت من ذلك المكان جريا، تخالجني فكرة أن شيئا بسيطا يمكن أن يفوت على الشخص فرصة للعمل. إلا أني عندما فكرت مليا في الأمر أدركت أنه حتى وإن صففت شعري بالشكل الذي يروق لي، فإني لا أستطيع العمل لصالح ذلك الجنرال الغوريلا.
+ كاتبة من فنزويلا
++ أحد زعماء الثورة المكسيكية اشتهر بشاربه الكثيف والطويل والمعقوف الجانبين نحو الأعلى.

