الصحراء لايف : بقلم الدكتور محمود عياش
تجدد خلال الأسبوع الماضي الحديث عن موضوع الالغام في الصحراء ، و ذلك بتزامن مع حادث انفجار “جسم غريب” ؟، لم تحدد هويته ، في حين تم تحديد هوية الضحايا، و هو أمر ليس بالغريب مادامت هوية المسؤوليين عن زرع الموت في الصحراء ، تتقاذفها أطراف النزاع تهما في ما بينها.
ستظل الصحراء على مدى عقود قادمة مسرحاً للعديد من الأحداث المأسوية ذات الصلة بتركة الحرب الني وضعت اوزارها عام 1991.
فمنطقة بمساحة أكثر من 260 الف مربع، سيكون من الصعب مسحها للتأكد من خلوها من الالغام، لكن هذا لم يمنع من تحرك كل من المغرب و جبهة البوليساريو بشكل إنفرادي أو تحت مظلة الأمم المتحدة في إتجاه تنقية عدة حقول ملغمة و محاولات مسح أخرى كانت محتملة، لكن هذه الجهود الفردية و المشتركة لم تتمكن لحد الساعة من تبديد مخاوف الكثيرين و حماية أرواح و اجساد العددين من الأجسام الغربية المنشطرة لحظة دهسها او العبث بها.
1/ يزرعون الالغام و يحصدون الموت والمعاناة .

يذهب الكثيرون إلى ان الظهور الأول للألغام يعود إلى القرن الثامن عشر خلال الحرب الأمريكية في الفترة الممتدة مابين 1775 و 1783، وتم في البدء التركيز على عملية إلصاق الالغام في السفن، ليتم بعد ذلك زرعها خاصة أثناء الحرب الأهلية الأمريكية(1861، 1865)، و خلال هذه الفترة تم إستخدامها بنوعيها البحرية و البرية، كما خصصت الغام للمركبات و الأفراد على حد سواء.
وتبقى الحربين العالميتين الأولى و الثانية أهم محطة تاريخية تم فيها تطوير صناعة الالغام، و التي اصبحت أشد فتكا، و أكثر صعوبة في التفكيك، لتحصد العديد من الضحايا، والذين لازالت قائمتهم مفتوحة لتضم ضحايا جدد، مادامت الكثير من حقول الالغام لم تتم تنقيتها و لا زال العديد منها مجهول.
اما بالنسبة للصحراء فبدورها تحولت منذ الاستعمار الإسباني إلى حقل جديد و خصب لزراعة الموت، نظرا لشساعة مساحته التي تسمح باستيعاب ملايين الالغام ، كما ان تضاريسها الوعرة تمكنها من اخفاء الذخيرة الحية و طمر افخاخ الموت.
و شكلت حرب الصحراء (1991-1973) عاملا قويا و عنصرا داعما لتتحول الصحراء إلى احد اكبر حقول زراعة الالغام في شمال افريقيا.
و تذهب بعض الاحصائيات الى ان عدد الالغام و القذائف غير المتفجرة في المنطقة تفوق 3 ملايين جسم متفجر.
وسبق لكل من المغرب وجبهة البوليساريو بشكل فردي في فترة اولى وبشكل مشترك في فترة ثانية و تحت إشراف الامم المتحدة القيام بمسح المنطقة الصحراوية، وتحديد المناطق الخطيرة، و تفجير الكثير من الالغام الى حدود سنة 2007، لكن المساحة التي شملها مسح الطرفين لم تتجاوز اكثر من 100 الف كيلومترا مربع، مما يعني أن هناك مساحة مهمة لازالت متروكة، ناهيك عن الشريط الحدودي الذي لازال مسيجا بالالغام. وذلك في انتظار بادرة ثانية تقلص من حجم هذا الخطر الداهم.
2 / ضحايا الألغام معاناة مريرة في ظل صمت مريب.
قضى جنود و مقاتلون و رعاة و مسؤولون و عابروا سبيل و اجانب نحبهم، و القائمة طالت لتشمل حتى الاطفال و العجزة و النساء، و لازال هناك الكثيرون مرشحون للانضمام لهذه الائحة المفتوحة، كما أن هنالك قوائم من المعطوبين و المكلومين ، عانوا و لايزالون يجترون معاناتهم في صمت، فالجروح النفسية الغائرة لم تندمل بعد، و العاهات الدائمة، ستظل وشما يديننا جميعا، لتواطءنا الصامت امام هذه الفواجع الانسانية ، والتي سنظل قائمة ما لم يتم إجتثاث هذا الغول المرعب.
فإذا كانت المساعدة الطبية متوفرة للضحايا إلى حد ما ، فإن التأهيل التفسي و الدمج الإجتماعي و المؤازرة المؤسساتية لازال ضعيفا و خجولا، في حين تبقى الأطراف متقاعسة عن دورها في توفير المساعدة النفسية و المرافقة الاجتماعية، و الدعم المالي يبقى هزيلا و غير منصف للضحايا و ذويهم، كما ان الصمت الاعلامي الرسمي و الغير رسمي يشي بان الامر غير عادي ، و هنالك محاولات لمداراة هذه المأسي التي تساءلنا جميعا، و الأمر اصبح يستدعي تحرك الجميع من اجل وضع سياسة عمومية، تستهدف هذه الظاهرة توعية و تحسيسا و مؤازرة و ترافعا و تأهيلا و دمجا.
الامر في منتهى الخطورة فيجب المجاهرة به و التصدي له لأن الدائرة تدور و لا نعلم على من تكون في المرة القادمة.

