afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

سيميائية الشخصيات الروائية قراءة في رواية ” الاروقة السوداء “

 

الصحراء لايف : بقلم محمد لمين بنة

Siam

تأتي رواية الأروقة السوداء كثاني تجربة روائية للكاتب محمد النعمة بيروك، والتي من خلالها استطاع أن يؤكد سمة لطالما وصف بها وهي أنه خير سفير للإبداع الصحراوي الجنوبي سواء إقليميا أو وطنيا، فقد اختيرت هذه الرواية ضمن القائمة الطويلة لجائزة راشد بن حمد الشرقي للإبداع من بين 950 رواية مثلت مختلف البلاد العربية من المحيط إلى الخليج، وبهذا الاختيار يتأكد تميز تجربته الأولى رواية “كولومينا” التي فازت بجائزة عبد القادر الحسيني بالقاهرة بمصر فضلا عن العديد من الجوائز والتكريمات التي حظي بها وطنيا في جنس القريض والقصة القصيرة.
ورواية الأروقة السوداء هي رواية ليست بالطويلة عدد صفحاتها 136 صفحة من الحجم المتوسط، وصادرة في طبعتها الأولى سنة 2019 عن دار راشد للنشر – الفجيرة دولة الإمارات العربية المتحدة، والرواية تستهل بمقدمة وتقديم عام من المشرفين على الجائزة ودار النشر، يؤكدون فيهما حرصهم على نشر و تشجيع الأعمال الإبداعية العربية التي تستجيب لمواصفات وعناصر العمل الفني الروائي المكتمل والمتميز، سواء على مستوى بناء الأحداث أو الشخصيات أو الحبكة والتشويق  أو الاشتغال الموضوعاتي أو قوة الجملة السردية ورسم المكان أو البناء التخييلي ثم المتعة والفائدة التي يمنحها النص الروائي للقارئ المفترض.
    وتتوزع  روايتنا على  3 فصول تحمل أسماء شخصيات فاعلة في الرواية: بدر وسمية وأمة.
سيميائية شخصيات  الرواية:
تحكي رواية الأروقة السوداء قصة أسرة غريبة بمدينة كليميم، تتميز حياتها بالغموض الذي يكتنف علاقة أفرادها  ببعضهم البعض، وهم الأم الممرضة والأب المتقاعد والابن الأكبر الطالب الجامعي بكار، والابنة المتوسطة سمية التلميذة في الثانوية، والابن الأصغر بدر، كما يكتنف الغموض علاقتهم بالعالم الخارجي، وهنا تجدر الإشارة إلى أن دلالة عنوان الرواية تعزز هذا الغموض وهذه الغرائبية التي تحكم عيش هذه الأسرة، فالرواق مقدم البيت أو سقيفة تخصص لشيء معين أو جناح ما من مبنى أو معرض وتطلق أيضا على كساء مرسل على مقدم البيت من أعلاه إلى الأرض، في تأكيد لدلالة الستر والتخفي والغموض التي تطبع حياة هذه الأسرة، وجاءت – أي الأروقة-  بصيغة الجمع زيادة في تأكيد معناها، وعادة ما تربط المعاجم هذا اللفظ بالليل، وبذلك يتضح توفيق الكاتب في اختياره هذا العنوان، فتتعزز الصفة المنسوبة لها أي الأروقة السوداء، بل تزيد من دلالتها الإيحائية لدى القارئ وتوجيهه بوعي أو بدون وعي نحو سمة الغموض والإبهام، وتدفعه إلى أن يخمن ما هو هذا الشيء الذي ستخفيه هذه الأروقة والستائر السوداء؟ وتوازيا مع ذلك، يخمن أيضا ماذا تخفي هذه الرواية من أحداث وشخصيات؟ وبالتالي يدفعه – أي هذا التخمين – لتحقيق إحدى أهم وظائف العنونة، ألا وهي استمالة القارئ وإغراؤه وجذبه لعالم النص والمؤلف. وتجمع كل الدراسات النقدية خاصة السيميائية التي تناولت العنوان، على أن هناك علاقة جدلية بين العنوان والنص، فيتحقق أفق توقع القارئ منذ الصفحة الأولى، ففي فصلها الأول نطالع على لسان شخصية الفصل الأول  ” أذكر أني اغتنمت فرصة وجودي وحيدا في الصالون وأقدمت على تصرف أهوج وخطير حين فتحت النافذة جزئيا وأخرجت يدي من خلف الستارة السوداء … حينها شعرت بلسع حرارة الشمس الدافئة.. ” ثم في الصفحة الثانية من هذا الفصل نطالع ” تلك لم تكن الحادثة الوحيدة التي واجهت فيها الشمس فقد كنت ذات طفولة أيضا أراقب أمي وهي تنظف الأروقة والستائر السوداء المعلقة على النوافذ بيديها العاريتين حين سقطت فجأة إحدى تلك الستائر … فوجدت نفسي وجها لوجه مع الشمس لحظات قبل أن ترمي علي الستارة…”   ويعاين القارئ حضور هذه الأروقة وغموضها في  قصة هذا الطفل  المسمى “بدر” والذي يعيش حالة مرضية تعرف بأطفال القمر جعلت حياته داخل بيت أسرته فقط، لا يخرج منها أبدا، وستلعب هذه الأروقة السوداء دور المانع والحامي لهذا الطفل، المحروم من الخروج والاستمتاع باللعب مع الأقران أو التعلم في المدرسة، خاصة تحت حرص أمه الممرضة التي كانت تخشى عليه من كل ما يمكن أن يسبب له اتصالا مباشرا بالشمس أو من يزرع في رأسه أفكارا عن ذلك، وهذا ما سيزيد من دلالة الغموض لهذا المرض، وهو ما دفعها إلى  عزله عن العالم الخارجي، مما سيولد في نفس بدر رغبة طفولية ستكبر يوما بعد يوم لمعانقة ضياء الشمس والاستمتاع بدفئها، وَمِمَّا سيزيد في بؤس هذا الطفل ذي الاثني عشر ربيعا، هو فقدانه للدفء الأُسَري لتصدع العلاقة الزوجية بين أبيه وأمه، نتيجة تراكم خلافات علاقة زوجية ستنفصل عراها ذات  ليلة في شجار مبهم وغامض.
إن شخصية بدر ستلعب في نظرنا دورا مركزيا سواء في بعدها السميائي داخل فضاء الرواية واشتغال الشخصيات، أو في بعدها التداولي في التأثير على المتلقي وربطه بالرواية بوصفها علامة تساير ما دأب الكاتب على الاشتغال عليه من موضوعات اجتماعية .

 فهي في البعد الأول شخصية لعبت دور البؤرة الدلالية التي تتجمع حولها باقي الشخصيات وتتقاطع، سواء على مستوى تطور الأحداث وبناء الشخصيات، فكل أفراد الأسرة سيرتبط مصيرها بهذه الشخصية، فمجيئه ودخوله عن طريق الخطف كأحد أفراد الأسرة كان استثناء، لأنه طفل زهري يحمل بركات حسب ما تزعمه شخصيات الرواية، وهكذا ستتغير حال الأسرة رأسا على عقب وسيحكمها الغموض التام وتحجبها الأروقة والستائر السوداء، سواد جريمة الأم في حق هذا الابن، ولذلك ستغدو هذه الشخصية حاملة لدلالات ثنائية متناقضة بين ظاهر هذه الشخصية أمام المجتمع من جهة، وأمام القارئ وحقيقته الفعلية من جهة أخرى والتي ستتكشف في نهاية الرواية، هذه الثنائية الدلالية، هي ما  لعب عليها الكاتب  السارد من أجل تميز روايته ومنحها تشويقا يشد القارئ كي يعرف ماذا حدث ؟ وماذا يحدث؟ ولماذا؟ وبالتالي إزالة الغموض والإبهام وإسقاط الأروقة السوداء، و نجملها فيما يلي:
محظوظ وسعيد بحب أسرته     مهتم به    مريض    بدر
الضياء والإشراق    الظاهر
محروم من إسرته     سجين    معافى    ليل    الحقيقة الباطنة

هذه الثنائية الدلالية سيوظف الكاتب جانبَها الظاهر في الفصلين الأول والثاني من الرواية، وفيه سيكسب تعاطف القارئ مع هذه الشخصية الطفل الصغير المريض هذا المرض النادر والذي يحرمه من كل شيء تقريبا، والمليء برغبات طفولية يعايشها القارئ، لتنكشف الحقيقة الباطنة – الصادمة، ومع ذلك يزداد هذا التعاطف وهذا الحب لهذه الشخصية بمزيد من الشفقة والحسرة على حياته التي ضاعت نتيجة رغبة مجنونة ستنكشف حقيقتها في الفصل الأخير، وبالتالي يبرز الجانب المضمر من الثنائية الدلالية المميزة لهذه الشخصية.
إن تأثير شخصية بدر سيطال كل أفراد الأسرة سواء في أبعادها وجوانبها الخيرية – أي لتلك الشخصيات –  أو في الرغبة الشريرة لبعض شخصياتها، فالأولى  سترتبط بأخته سمية التي اختار الكاتب وسم الفصل الثاني باسمها، لأهميتها في بناء الرواية، وتوحي دلالة اسمها على “السمو” لبلوغ رضا الأم، هذه الأخيرة  جعلت مصير دراستها سيتوقف وسيفرض عليها إعالة بدر والبقاء معه في البيت، وهنا يغدو بدر ومرضه وبقاؤه في البيت، سببا مؤثرا فاعلا في حياة سمية ويحولها لشخصية تنمو بشكل إيجابي عبر اكتسابها لقيم الصبر والتضحية تقول سمية في ” علمني هذا الوضع قيمة الحياة والحرية.. علمني قيمة الوقت .. أشعرني بقيمة كل لحظة لم أعشها كما يجب حين كان في إمكاني الخروج…”
 أما الرغبة الشريرة فسترتبط  بالأم، التي ستجني على جميع أفراد أسرتها بجريمة بشعة في حق بدر أولا فهو فهو دافعها وضحيتها الأولى في الوقت نفسه، ثم بعد ذلك على الزوج الذي لا يملك من الأمر شيئا بسبب دونية عمله ومرضه، فهو شخصية يطالعها  القارئ في حالة سلبية، وحتى في لحظة تمرده ورفضه ووقوفه ضد قرارات هذه الزوجة، سيلجأ إلى الاختفاء  – ولذلك عمد الكاتب السارد عدم منحه اسما تهميشا ربما لدوره الإيجابي في التأثير على تطور الأحداث-  والهروب وترك الآخرين لمصيرهم وحدهم، أي أبناءه: بدر سمية وبكار، إن رغبة الأم في الإنجاب والخروج من الضائقة المالية مرده تعلقها ببدر كحل سحري لتحقيق كل ذلك دفعة واحدة، لدرجة ستصل معها لحالة غريبة غامضة تقرر أن تقترف ما سيغير كل شيء نحو الأسوأ خاصة لبدر المسكين.
 فاعلية شخصية بدر وخصوصيته ستؤثر على البنية المكانية للرواية بحيث ستدور أحداث الرواية  فقط في بيت الأسرة لدرجة أن سيُصبِح بمثابة سجن لأفرادها، وهنا سيزيد من توتر العلاقة الرابطة بينهم، وبالتالي وبرغبة من التخلص من هذا السجن، وبالتالي ستنعكس دلالة المكان – البيت،  من حاضن لأسرة، معبر عن توثق علاقتها بالحب، إلى فضاء للصراع والتوتر والتفكك الأُسَري.
 فاعلية شخصية بدر وقوة حضورها سيتجاوز العالم الداخلي للرواية، إلى البعد التداولي الذي تراهن عليه الرواية والكاتب، وهو دأبه في أعماله ومواقفه وهو سمة تعطي لأدبه رسالة وقيمة اجتماعية مميزة، نعني بذلك هذا الالتفات لظاهرة أطفال القمر القليلة، والتحسيس بمرضهم وإظهار معاناتهم للمتلقي العادي أو المسؤول، والرواية تحبل بنقد مباشر أو ضمني لما تقدمه المؤسسات الرسمية أو جمعيات المجتمع المدني للنهوض بأحوال هذه الفئة المهمشة نطالع في الفصل الأول “… لكن عدد المرضى قليل جعل المسؤولين يستهينون بالأمر، كما شكل اختلاف أعمارهم عائقا إضافيا، ولم تتبق غير الوعود الكاذبة المؤجلة” ونشير إلى أن الهامشي أصبح محور العديد من التخصصات داخل أروقة كبرى الجامعات العالمية وخاصة في مجال الدراسات السميائية الثقافية.
خاتمة
نخلص إلى أن رواية ” الأروقة السوداء” شكلت علامة متميزة في تجربة الكاتب المبدع محمد النعمة بيروك، من خلال اتكائها أكثر على الخيال مقابل الواقعية مقارنة مثلا برواية كولومينا، والذي جعل بناء شخصياتها يميل إلى الغموض والإبهام، والتراوح بين ثنائية ظاهرة وأخرى مضمرة خاصة شخصية بدر، وبناء سردي يقوم في جانب منه على الرواية البوليسية التشويقية والاستفادة من الأسلوب السينمائي القائم على تقنية الاستباق والفلاش باك في سرد وتقديم الأحداث، وعلى الرؤية الواقعية للظواهر المجتمعية كمعاناة فئة أطفال القمر والتفكك الأسري والعلاقات الزوجية وتعليم الفتاة والتمثلات الشعبية وغيرها، ثم تتميز هذه الرواية باختيار فضاء مدينة كليميم لأحداث الرواية وهو يعكس توجه الكاتب محمد النعمة بيروك بخطى وئيدة وثابتة على أن يكون أدبه ممثلا لكل الجنوب، وبالتالي يصدق الاسم على المسمى في أنه سفير الإبداع الجنوبي الصحراوي بامتياز.


Siam
تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد