الشركة الجهوية متعددة الخدمات بجهة العيون الساقية الحمراء.. ورش التأسيس بين تحديات المرحلة وانتظارات الساكنة

الصحراء لايف : اسية ابا حازم
منذ انطلاقها الرسمي خلال شهر أكتوبر 2025، وجدت الشركة الجهوية متعددة الخدمات بجهة العيون الساقية الحمراء نفسها أمام ورش استراتيجي معقد، لا يرتبط فقط بتدبير خدمات الماء والكهرباء والتطهير، بل أيضا بمواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها الجهة، في ظل تزايد الحاجيات وارتفاع انتظارات الساكنة من حيث جودة الخدمات واستمراريتها.
وفي ظرف زمني وجيز، أصبحت هذه المؤسسة الحديثة مطالبة بتدبير ملفات متراكمة وإكراهات ميدانية متشابكة، ضمن مجال ترابي واسع يمتد على رقعة جغرافية شاسعة، تفرض خصوصياتها المناخية واللوجستية تحديات إضافية على مستوى التدبير والتدخل والاستجابة.
ورغم حداثة التجربة، فقد استطاعت الشركة الجهوية متعددة الخدمات أن تضع اللبنات الأولى لإصلاح هيكلي ظل مطروحا لسنوات، يقوم أساسا على توحيد تدبير خدمات الماء والكهرباء والتطهير تحت فاعل جهوي واحد، بعد مرحلة اتسمت بتعدد المتدخلين بين وكالات وجماعات وشركات مختلفة، وهو ما كان ينعكس أحيانا على وضوح المسؤوليات وسرعة التدخلات.
أما اليوم، فقد أصبحت هذه الخدمات تدار ضمن رؤية موحدة تسمح بقدر أكبر من التنسيق في التخطيط والاستثمار والتدخل الميداني، وهو تحول يعتبره متتبعون خطوة مهمة في اتجاه تعزيز الحكامة الترابية وتبسيط مسارات التدبير وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي السياق ذاته، انخرطت الشركة في برامج استثمارية لتحديث الشبكات وتقوية البنيات التحتية، ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى، لا تقوم فقط على معالجة الإشكالات الظرفية، بل تراهن على بناء منظومة أكثر قدرة على مواكبة التحولات التنموية التي تعرفها جهة العيون الساقية الحمراء، خاصة في ما يتعلق بالضغط المتزايد على الموارد والحاجيات المرتبطة بالنمو العمراني والتوسع الحضري.

غير أن هذه التحولات، على أهميتها، لم تمنع استمرار بعض الإكراهات التي ما تزال تؤثر على التجربة اليومية للمواطن، باعتبارها المعيار الحقيقي الذي تقاس به أي إصلاحات ميدانية.
فالمواطن، في نهاية المطاف، لا ينظر إلى حجم الأوراش والاستثمارات بقدر ما يهتم بوصول الماء والكهرباء في ظروف مستقرة، وجودة الخدمات، وسرعة التفاعل مع الأعطاب والشكايات اليومية.
كما أن جزءا من الرأي العام ما يزال يخلط بين مهام الإنتاج ومهام التوزيع، إذ تحمل الشركة الجهوية متعددة الخدمات في أحيان كثيرة مسؤولية اختلالات ترتبط أساسا بمرحلة الإنتاج أو التزويد، في حين يقتصر دورها على تدبير وتوزيع الموارد التي يتم ضخها داخل الشبكات.
ويبرز هذا الالتباس بشكل أكبر في جهة تعتمد بشكل مهم على منظومة تحلية مياه البحر، حيث إن أي أشغال تقنية أو اضطرابات مرتبطة بالإنتاج أو الضخ تنعكس بشكل مباشر على عملية التوزيع، ما يجعل المواطن يربط الخدمة بالكامل بجهة واحدة، رغم تعدد مستويات التدخل داخل هذا القطاع الحيوي.
وفي المقابل، يظل التواصل أحد أبرز التحديات المطروحة خلال هذه المرحلة التأسيسية، سواء من حيث تبسيط المعطيات التقنية المرتبطة بالخدمة والفواتير والاستهلاك، أو من حيث التفاعل السريع مع الشكايات والانشغالات، خاصة في ظل السرعة الكبيرة التي تنتشر بها المعلومات عبر الفضاء الرقمي.
ذلك أن نجاح أي إصلاح مؤسساتي لا يقاس فقط بحجم المشاريع والاستثمارات، بل كذلك بقدرته على بناء الثقة وخلق تواصل واضح وهادئ مع المواطن، يقوم على التفسير والتوضيح والإنصات، بما يعزز الوعي بطبيعة التحولات الجارية وحجم التحديات المرتبطة بهذا المرفق الحيوي.
وبين رهانات البناء المؤسساتي وضغط الانتظارات اليومية، تبدو الشركة الجهوية متعددة الخدمات بجهة العيون الساقية الحمراء أمام مرحلة تأسيسية دقيقة، تختبر فيها قدرتها ليس فقط على تدبير المرفق، بل أيضا على ترسيخ نموذج تدبيري حديث، قادر على مواكبة الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، والاستجابة التدريجية لتطلعات الساكنة في خدمات أكثر جودة ونجاعة واستقرارا.


