الصحراء لايف : بقلم // د. عبدالقادر الحافظ بريهما
تعيش الديمقراطية بالمغرب مرحلة مفصلية تتقاطع فيها رهانات الإصلاح السياسي مع استحقاقات وطنية كبرى، في ظل اقتراب تنزيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية واستعداد المملكة لتنظيم كأس العالم سنة 2030. هذا المسار يضع البلاد أمام مفترق طرق تاريخي يتطلب قيادة سياسية رشيدة قادرة على ترسيخ الاستقرار وتعزيز الثقة في المؤسسات ومواكبة التحولات الداخلية والخارجية، بما يحفظ التوازن بين الإصلاح والاستمرارية.
وفي المقابل، تواجه بلادنا إكراهات اقتصادية ومالية متزايدة، تتجلى في ارتفاع كلفة المعيشة، وتنامي البطالة، وضغوط الميزانية، وتحديات التنمية الاجتماعية. وفي خضم هذه الظروف، تكتسي انتخابات 2026 أهمية حاسمة باعتبارها محطة لإعادة ترتيب المشهد السياسي وتحديد معالم المرحلة المقبلة، حيث تتطلع فئات واسعة من المواطنين إلى قيادة سياسية قادرة على الجمع بين الفعالية في التدبير والعدالة الاجتماعية والرؤية الاستراتيجية للمستقبل.
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى الأحزاب الوطنية الكبرى القادرة على تقديم بديل سياسي متوازن يجمع بين الشرعية التاريخية والكفاءة التدبيرية والانتشار الشعبي. ويبرز حزب الاستقلال كأحد أبرز الفاعلين السياسيين المؤهلين لقيادة المرحلة المقبلة، بحكم رصيده النضالي، وتجربته المؤسساتية، وموقعه المركزي داخل الخريطة السياسية الوطنية، فضلا عن قدرته على التفاعل الإيجابي مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية ومتطلبات الاستقرار السياسي.
يمتلك حزب الاستقلال من الشرعية التاريخية والسياسية ما يجعله مؤهلا لقيادة الحكومة المقبلة، باعتباره حزبا وطنيا تأسس على مرجعية الحركة الوطنية المتنثلة في الوحدة والتعادلية، وراكم رصيدا نضاليا ومؤسساتيا يمنحه مشروعية واسعة لدى المواطنين. هذه الشرعية لا تنبع فقط من الماضي، بل تتجدد من خلال حضوره في مختلف المحطات الدستورية والسياسية، وقدرته على التكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية دون التفريط في الثوابت الوطنية.
كما يتميز الحزب بدرجة عالية من المهنية والحرفية في تدبير الشأن العام، سواء على مستوى العمل الحكومي أو البرلماني أو الجماعات الترابية. فقد أثبت في تجاربه السابقة قدرة على إدارة الملفات المعقدة، والتفاعل مع المؤسسات الدستورية بكفاءة، وصياغة سياسات عمومية متوازنة تراعي الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مما يمنحه مصداقية عملية تتجاوز الخطاب والشعارات.
ومن نقاط القوة الجوهرية لحزب الاستقلال توسعه التنظيمي وانتشاره الواسع في جميع مناطق المملكة، من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، ومن المدن الكبرى إلى العالم القروي. هذا التواجد الميداني يمنحه قدرة حقيقية على فهم انتظارات المواطنين وتأطيرهم سياسيا، وتحويل الامتداد التنظيمي إلى قوة انتخابية مؤثرة مدعومة بماكينة حزبية منضبطة وقواعد منخرطة في العمل المستمر.
ويضاف إلى ذلك أن الحزب يعد من أكثر التشكيلات السياسية استقرارا على المستوى التنظيمي والمؤسساتي، إذ يتمتع بهياكل داخلية واضحة، وآليات ديمقراطية داخلية مقبولة، وصورة إيجابية على الصعيد الدولي، ما يجعله شريكا موثوقا في العلاقات الحزبية الخارجية، وقادرا على تمثيل المغرب سياسيا في الفضاءات الإقليمية والدولية دون إثارة توترات غير محسوبة.

كما أن علاقات حزب الاستقلال مع مؤسسات الدولة تتسم بالتوازن والبراغماتية والاحترام المتبادل، وهو عنصر أساسي لضمان الاستقرار السياسي ونجاعة العمل الحكومي. هذا المعطى يمكن الحزب من قيادة حكومة منسجمة مع التوجهات الكبرى للدولة، دون الدخول في صدامات عقيمة أو توترات تعرقل الإصلاح والتنمية.
وفي الأقاليم الجنوبية، يشكل حزب الاستقلال قوة ضاربة بفضل حضوره التنظيمي المتجذر وذراعه السياسية القوية، وعلى رأسها أسرة أهل الرشيد التي راكمت خبرة انتخابية وتدبيرية كبيرة، وأثبتت قدرتها على التعبئة وضبط التوازنات القبلية والسياسية والاجتماعية، إلى جانب حضور وازن لقيادات جهوية، هذا الامتداد يشكل رافعة استراتيجية تعزز فرص الحزب في تحقيق نتائج وازنة، وترسخ موقعه كفاعل محوري في تنزيل مشروع الحكم الذاتي والدفاع عن الوحدة الوطنية.
وفي المقابل، يشهد حزب التجمع الوطني للأحرار تراجعا ملحوظا في صورته السياسية في ظل السياق الاجتماعي والاقتصادي المتوتر، حيث ساهمت أزمة الغلاء وارتفاع البطالة وتراجع القدرة الشرائية في تصاعد الغضب الشعبي تجاه حصيلة الحكومة. كما أن انسحاب السيد عزيز أخنوش من الواجهة وترك القيادة للسيد محمد شوكي، الذي يفتقر إلى الحضور السياسي القوي والامتداد الشعبي الوازن، زاد من ارتباك الحزب وأضعف قدرته على الحفاظ على موقعه داخل المشهد السياسي الوطني.
وبالتوازي مع ذلك، يعيش حزب الأصالة والمعاصرة بدوره على وقع اختلالات تنظيمية وصراعات داخلية أثرت سلبا على تماسكه السياسي ونجاعة أدائه وطنيا وجعويا، إضافة إلى ضعف واضح في حضوره بالأقاليم الجنوبية، حيث بالكاد يحقق الحد الأدنى من التمثيلية الانتخابية، كما يواجه صعوبات وطنية في توسيع قاعدته الشعبية وفرض نفسه كقوة سياسية قادرة على قيادة المرحلة المقبلة.
وأمام هذا التراجع المتزامن في قوة الأحزاب المنافسة، يبرز حزب الاستقلال، بما يمتلكه من ماكينة انتخابية قوية، وانتشار تنظيمي واسع، وتجذر ميداني راسخ وطنيا وجهويا، كأوفر المرشحين حظا للفوز بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة لسنة 2026، وقيادة حكومة قادرة على استعادة ثقة المواطنين، ومعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ومواكبة رهانات الوطن بجدية ومسؤولية.
وانطلاقا من موقعي كعضو في المكتب السياسي لحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، أرى انه لابد من أخذ هذه المعطيات الواقعية بعين الاعتبار، قصد التموقع الاستراتيجي داخل الخريطة السياسية الوطنية والجهوية، وتنزيل تحالفات مستقبلية مبنية على الواقعية السياسية والمصلحة العليا للوطن. وفي هذا الإطار، أعتقد أن عقد تحالف متين مع حزب الاستقلال ضمن ائتلاف يضم مجموعة من الأحزاب الوطنية الجادة، وعلى رأسها حزبنا العتيد، يشكل خيارا سياسيا رشيدا يعزز الاستقرار، ويقوي فرص النجاح الانتخابي، ويمكن من الإسهام الفعال في قيادة المرحلة المقبلة.
إن استثمار هذه المعطيات وتوظيفها بذكاء سياسي من طرف قيادتنا الوطنية سيمنح حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية موقعا متقدما داخل معادلة الحكم، ويعزز حضوره كقوة وطنية مسؤولة تساهم في بناء مغرب قوي، ديمقراطي، ومتوازن، وقادر على رفع رهانات المستقبل بثقة واقتدار.
وفي الختام، يظل حزب الاستقلال، بما يملكه من تاريخ وطني عريق، وشرعية سياسية راسخة، وانتشار تنظيمي واسع، وماكينة انتخابية فعالة وبالخصوص بالاقاليم الصحراوية، الأوفر حظا للفوز في الاستحقاقات المقبلة لسنة 2026، وقيادة المرحلة القادمة بثقة واقتدار. ولم يعد يفصله عن هذا الموعد سوى مزيد من الاستعداد، وتعبئة الطاقات، وتقديم نخبة قادرة على تحمل المسؤولية في زمن دقيق يحتاج فيه وطننا الحبيب إلى رجالات من طينة الكبار، يجمعون بين الحكمة والجرأة، وبين الوطنية الصادقة والكفاءة في التدبير، لخدمة المغرب ومواجهة تحدياته الكبرى بثبات ومسؤولية.

