afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

المغرب وإسبانيا.. في انتظار إحداث قفزة نوعية في العلاقات الثنائية

 

الصحراء لايف : ترجمة: جمال أمنار

 

إن المغرب وإسبانيا بلدان متقاربان جغرافيا، وتجمع بينهما عدة روابط منها الإنسانية والاقتصادية والأمنية، لكن في الآونة الأخيرة، خاصة منذ عام 2004 تخللت سحب باردة سماء العلاقات بين الجارتين، إذ كان الصراع على وشك أن ينشب بينهما بخصوص جزيرة ليلى. أما في السنوات المنصرمة، فقد أبدت كلا الحكومتان المتعاقبتان، استعدادهما وإرادتهما التامة من أجل وضع نهج عملي وواقعي، يسعى إلى تكثيف التعاون في مجال الاقتصاد والهجرة ومكافحة الإرهاب. من جهة أخرى، يبدو أن هذا التناغم هو نتيجة عدم معالجة المشاكل الجوهرية التي عكرت صفو العلاقات بين البلدين في الماضي، ومن الأرجح أن يعودا لمناقشتها في المستقبل.

كشف استطلاع الرأي في المغرب وإسبانيا أن كلا الشعبين واعيين بضرورة وأهمية العلاقات الثنائية بينهما. من جهة أخرى، يمثل المغرب والعالم المغاربي بشكل عام، إحدى أولويات إسبانيا، لأسباب عدة تتعلق بسلامة وأمن الشعب الإسباني، وكذلك للفرص التي يمكن أن يمنحها.

ولقد كسبت المنطقة المغاربية (المغرب على وجه الخصوص) أهمية كبيرة في السنوات الأربعيين الماضية، باعتبارها موضع اهتمام الرأي العام الإسباني. وعلى إثر هذه الأهمية الكبيرة التي يحظى بها المغرب، سيقوم ملك إسبانيا وزوجته بزيارة رسمية للمملكة المغربية، التي تربطه معها علاقات وطيدة، لكن في نفس الوقت معقدة.

وعلى عكس ما يعتقده الرأي العام، فإن المغرب وإسبانيا تربط بينهما علاقات تعاون كثيرة، إلا أنهما لا يبذلان المجهودات اللازمة، نظرا لموقعهما الجغرافي وروابطهما الإنسانية والاقتصادية، ويكفي القاء نظرة على بعض المعطيات حتى يتبين للمرء التحسن الذي شهده الاقتصاد، إذ أضحت إسبانيا في السنوات الخمس الأخيرة المورد الأول للمغرب، بعد فرنسا. قس على ذلك تزايد الشركات الإسبانية والتدفقات التجارية عبر مضيق جبل طارق، مما جعل من المغرب الزبون الأول لإسبانيا في القارة الأفريقية والثاني على المستوى العالمي خارج الاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

أما بلغة الأرقام، فقد بلغت قيمة الصادرات من إسبانيا إلى المغرب أكثر من 8000 مليون يورو في عام 2017، بالإضافة إلى أرباح السلعة المهربة التي تعبر من  سبتة (ومن مليلية كذلك إلى أن أغلقت السلطات المغربية تلك الحدود التجارية في شهر غشت الماضي). أدى الازدهار في الصادرات الإسبانية في عام 2017 إلى وجود فائض تجاري مقارنة مع المغرب إذ بلغ 1،700 مليون أورو، ومع ذلك، لا تزال الاستثمارات الإسبانية منخفضة بشكل كبير  (حوالي 8 ٪ من إجمالي الاستثمارات). كما يلاحظ أن الشركات الإسبانية متعددة الجنسية شبه غائبة في المغرب، خاصة في الوقت الذي أصبح فيه هذا الأخير ينوع من شركائه التجاريين، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، ودول الخليج  والصين وروسيا وتركيا وبلدان أفريقيا جنوب الصحراء.

يبعد المغرب عن الجزيرة الإيبيرية ب 14 كيلومترًا، هذا القرب الجغرافي، نتج عنه تواجد جالية مغربية مهمة في إسبانيا (أي حوالي 700.000شخص، بالإضافة إلى 200.000 شخص حامل للجنسية الإسبانية) وتفاوت في  الدخل الفردي (24.000 يورو مقابل 2.500 يورو في عام 2017 ، وفقًا لتقرير الأمم المتحدة).

من جهة أخرى، إن الاختلافات السياسية والديموغرافية والثقافية قد تأسس أرضية خصبة للصراعات والنزاعات. وعليه، فإن هذه الحقائق نفسها تعني وجود أسباب أخرى للتعاون أكثر والبحث عن صيغ تكميلية تعود بالنفع على كلا الطرفين، خاصة عندما تلتقي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في ضفتي مضيق جبل طارق، مما قد يؤدي إلى صراعات اجتماعية وسياسية، وتآكل الأنظمة السياسية المعنية.

ولا يخفى على أـحد أن المغرب معرض لخطر نشوب اضطرابات اجتماعية ما إن لم تتحسن الأوضاع المعيشية، وإن لم تعطى الفرص لشعبه الذي يرغب في الازدهار ولا يجد وسلية لذلك. ومن بين الأسباب التي قد تؤدي إلى نشوب هذه الاضطرابات: معدل الدخل الفردي المنخفض وعدم المساواة. وعليه، من الضروري أن يحقق نموذج التنمية في المغرب تحسنا وأن يكون أكثر شمولية، وذلك من خلال تحقيق المساواة في الدخل الفردي، وتحسين الخدمات الاجتماعية، وقبل كل شيء، توفير فرص الشغل للشباب. ومما يثير القلق أيضا، أن المغرب يحتل الرتبة 123 من أصل 189 دولة ضمن مؤشر التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بعد الجزائر وتونس.

 لا تزال النقاط الأساسية للتوتر بين البلدين تتمحور حول قضايا السيادة والحدود الإقليمية، البرية منها والبحرية، بالإضافة إلى إيجاد حل لظاهرة الهجرة غير الشرعية (إذ بلغ عدد المهاجريين عام 2018، ما يقارب 65000 ،أغلبيتهم مغاربة) ومكافحة الاتجار غير المشروع، وغيرها من القضايا. ولهذا، يجب الاستفادة من الرغبة التي أظهرها قادة البلدين لمعالجة القضايا المتنازع عليها، والتي تتطلب إرادة سياسية جيدة لحلها بطريقة مقبولة وتدريجية (ترسيم الحدود البحرية، تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سبتة ومليلية وايجاد حل عادل وبناء لقضية الصحراء)، بدلا من انتظار ظهور نزاعات وخلافات التي يمكن تفاديها.

وختاما، ينبغي على إسبانيا أن تدعم جارتها الجنوبية، سواء بشكل مباشر أو في المنظمات الدولية، ومواكبة الإصلاحات التي من شأنها عصرنة الدولة وإنشاء حكومة جيدة. وربما هي فكرة محمودة أن تكون إسبانيا صوت المغرب داخل الاتحاد الأوروبي، لطالما هناك تقدم من أجل تحقيق الأهداف المشتركة التي تساهم في الاستقرار والازدهار في كلا البلدين. ومن بين هذه الأهداف التي يجب تحقيقها القضاء على مستويات عالية من الجهل القائم بين البلدين والصور والأفكار النمطية و انعدام التواصل بين الجهات الاجتماعية والسياسية الفاعلة.

لطالما كانت العلاقات التي تربط بين ملكي البلدين وطيدةـ، قادرة على تحدي ومقاومة صعوبات العلاقات الثنائية. هذه العلاقات كانت المفتاح الأساس لوضع حد للتوترات القائمة بينهما في الماضي. وقد حان الوقت الآن لأن تعمل هذه الروابط القائمة بين المملكتين على إحداث قفزة نوعية في المجالات الاجتماعية والإنسانية بينهما، والارتقاء بالمعرفة المتبادلة وبناء الجسور الثقافية والمهنية.

 

ال باييس، هيثم أميراه فيرنانديث

ترجمة: جمال أمنار


 

Siam
تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد