afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

مشروع التنظيم القضائي و شعار ” القضاء في خدمة المواطن “

300*250


الصحراء لايف : بقلم الدكتور الاكحل احمد


300*250

تعترض ناظر كل داخل الى أي محكمة بالمغرب لافتة كتب عليها شعار “القضاء في خدمة المواطن”، و لان لكل داخل دهشة كما يقال، يتساءل من يقرأ هذه العبارة عن مغزاها و سبب اشهارها  و ما الذي ترمي اليه. و بعد تفكير (ان كان سبب قدومه يسمح له بالاحتفاظ ببقية من التفكير !)، يتذكر ان المحاكم مرافق عمومية الغاية من احداثها تلبية حاجة المواطن بتقديم خدمة عدالة ناجعة  و فعالة. فكيف يمكن ترجمة هذا الشعار الى حقيقة واقعة اذا كان المرفق يعاني من اختلالات بنيوية عمرت عقودا من الزمن  و افرزت ظواهر سلبية كثيرة خلقت صورة نمطية عن جهاز العدالة، لدى المرتفق، و افقدته الثقة في القضاء كخدمة و كحق.

I-اصلاح العدالة بين الواقع و المأمول:

افردت الخطب الملكية، في مناسبات عديدة، حيزا هاما للحديث عن العدالة و الارتقاء بها. فخطاب العرش سنة 2008 مثلا، وجه الحكومة للانكباب على بلورة مخطط للإصلاح العميق في هذا الإطار و ذلك “من اجل بلوغ ما نتوخاه للقضاء من تحديث و نجاعة في اطار من النزاهة و التجرد و المسؤولية”. كما اطلق خطاب 8 ماي 2012 الحوار الوطني حول اصلاح القضاء؛ الذي انتج ميثاق اصلاح منظومة العدالة.

ويظل دستور 2011 الوثيقة المرجعية الاسمى التي يرتكز عليها ورش الاصلاح و يتأسس عليها ميثاق اصلاح العدالة؛ اذ يكرس هذا القانون الاساسي للدولة مبادئ مهمة، من شأن احترام تطبيقها ان يرقى بالعدالة كمنظومة مندمجة من جهة ؛ و يجعل المواطن “يثق في ان القضاء و القضاء وحده هو من يحمي حقوقه و حريته من جهة اخرى” . و لعل ابرز المبادئ التي جاء بها الدستور: فصل السلط، الديمقراطية التشاركية، الحكامة الجيدة، ربط المحاسبة بالمسؤولية…

واقتضى تنزيل دستور 2011 اعادة النظر في كثير من القوانين و النظم التي كانت تحكم العلاقة بين مختلف السلط، و تنظم عمل المرافق العمومية؛ و كذا سن قوانين جديدة تتعلق بهيئات احدثها خدمة للصالح العام و للمواطن. و في هذا الاطار كان لزاما اعادة النظر في بعض القوانين “المعمرة”، ذات الطبيعة التنظيمية الهامة؛ و التي شكل بقاؤها و العمل بمقتضياتها خرقا للدستور، و ضربا من مجانبة واقع التغيرات الحقوقية و السياسية و الاقتصادية و الثقافية، التي عرفها المغرب؛ و لعل احد اهمها التنظيم القضائي للمملكة.

II- التنظيم القضائي.. نص قانوني مؤطر

تكمن اهمية التنظيم القضائي في كونه ينظم العملية القضائية بل خطة العدالة ككل؛ فهو نص يقنن العلاقة القائمة بين اجهزة مختلفة تتدخل مباشرة في انتاج الخدمة القضائية للمواطن؛ ان عموديا بتحديده لمختلف درجات التقاضي و انواعها و العلاقات التسلسلية بينها و ما ينتج عن ذلك من تبعية و مراقبة؛ او افقيا بتقنين العمل داخل كل محكمة بغض النظر عن درجتها و اختصاصها.

تأتي اهمية هذا النص ايضا من كونه من القوانين التي يقتضي اعمالها اخذ مقتضياتها بعين الاعتبار في انتاج و تطبيق نصوص قانونية اخرى؛ فهو بهذا المعنى “نص-اطار”، لا يمكن تصور صدوره منقوصا او مبتورا بحيث يحتاج الى “وصلات قانونية” تعدله و تتممه بين الفينة و الاخرى.

وغني عن البيان ان هذا النوع من النصوص يحتاج اخراجه الى حيز الوجود؛ فضلا عن العمل التقني المحض المضني و الصعب و الذي يتعلق بترتيب مواده و تبويبها؛ احاطة شاملة بنصوص قانونية اخرى، بعضها قائم قيد التطبيق، و اخرى ما تزال مشاريع قوانين مقدمة امام انظار الهيئة التشريعية،   و ربما افكارا و توصيات و اقتراحات مقدمة بخصوص نصوص ستعدل مستقبلا.

بيد ان قانونا من حجم التنظيم القضائي للمملكة لابد و ان يكون خلاصة نقاش وطني هادئ رزين و استشرافي، بين جميع مكونات اسرة العدالة، بلا استثناء و لا اقصاء، و بروح عالية من الاحساس بالمسؤولية و الرغبة الصادقة في التعاون، من جهة؛     و ان يكون نتيجة توافق سياسي و مجتمعي يروم تغليب مصلحة الوطن و المواطن انا و مآلا من جهة اخرى.

فهل يستجيب مشروع التنظيم القضائي، و الذي بلغ مراحله الاخيرة بالهيئة التشريعية، الى معايير النص القانوني الاطار، الذي سيكفل تحقيق العدالة، و سيحافظ على العلاقة بين مكوناتها بدرجة معقولة من التوازن و التعاون؟

III- مشروع اتنظيم القضائي و مبدأ فصل السلط

يشير الفصل الاول من الدستور، في فقرته الثانية، الى ان النظام الدستوري للمملكة يقوم “على اساس فصل السلط و توازنها    و تعاونها، و الديمقراطية المواطنة و التشاركية، و على مبادئ الحكامة الجيدة و ربط المسؤولية بالمحاسبة”؛ كما افرد بابا خاصا للسلطة القضائية، تناول المقتضيات المتعلقة باستقلال السلطة القضائية و ضمان هذا الاستقلال.

واذا كان الدستور قد وضع فعلا الاطار المؤسساتي لمبدأ فصل السلط و توازنها؛ فان تحقيق هذا المبدأ سيظهر في النصوص و القوانين التنظيمية المختلفة، و التي رأى بعضها النور كالقانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الاعلى للسلطة القضائية و القانون الاساسي للقضاة؛ و لا يزال بعضها الاخر مجرد مشاريع قوانين، مع اختلاف درجات نضجها بالمؤسسة التشريعية، و على رأسها التنظيم القضائي. وتشكل هذه القوانين و مشاريع القوانين، في مجملها، الترجمة العملية لمبدأ الاستقلالية. و من اجل تنزيل جيد لهذا المبدأ الدستوري تظل المرجعية الصائبة ( في نظرنا المتواضع) التي يجب اعتمادها في اقرار القوانين التي لم تر النور بعد، و لخلق تناغم بينها و بين تلك التي صدرت فعلا؛ تظل المرجعية الاساسية، بالاضافة الى الدستور نصا و فلسفة، هي المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان، و لاسيما تلك المؤطرة لمبادئ المحاكمة العادلة ، و لتعميم الولوج للخدمة القضائية؛ و كذا الاسترشاد بالتجارب الاجنبية المقارنة. و كل هذه المرجعيات تبرز اهمية استقلال السلطة القضائية و تخصصها في اصدار الاحكام في القضايا المعروضة امامها؛ وتخففها من عبء الاجراءات غير القضائية (كالمساطر شبه القضائية، الاشغال الادارية، التدبير المالي، تدبير الموارد البشرية للادارة القضائية…)؛ مما يمكن من اصدار منتوج قضائي مرضي و تقديم خدمة عدالة فعالة و في زمن معقول.

واذا كانت سيادة القانون تستلزم الفصل بين السلط الاساسية، فان هذا الفصل “لا يعني فقط ان هذه السلطات ستمارس بواسطة مؤسسات مختلفة، بل يعني ايضا ان الافراد لا يمكن ان ينتموا لاكثر من مؤسسة من هذه المؤسسات” . و بالرجوع الى مواد كثيرة من مشروع التنظيم القضائي، المعروض منذ 07 يونيو 2016 على انظار مجلس المستشارين، نجده يكرس الخلط بين السلط بدل الفصل بينها ، و يجعل من الصعب ان لم يكن من المستحيل تحقيق نظام سليم للضوابط و التوازنات بين السلطة القضائية و السلطة التنفيذية؛ و هو أمر له اهمية قصوى في تحقيق سيادة القانون؛ و الذي لن يتأتى حتما “اذا تولت ممارسة سلطتين نفس المؤسسة او تولى ذلك نفس الفرد” .

خاتمة:

اذا كان من المفيد لتقدم البلاد و لتحديث مرفق العدالة، التنصيص على مبدأ استقلالية السلطة القضائية عن باقي السلط، فان الافيد هو تنزيل هذه الاستقلالية تنزيلا سليما في مختلف النصوص التنظيمية التي تمس العمل القضائي؛ ان على المستوى المؤسساتي، او المهني، او على مستوى المساطر المطبقة. فلا اقل “من اقرار نظام للضوابط و التوازنات تكون فيه السلطة موزعة بين مؤسسات مختلفة و افراد مختلفين بطريقة لا تتيح لأي مؤسسة او شخص ممارسة سلطة مطلقة” .

المراجع:  

•خطاب العرش لسنة 2008

•خطاب 8 ماي 2012

•دستور المملكة المغربية لسنة 2011

•ودادية موظفي العدل و النقابة الديمقراطية للعدل (2014)، كتاب الاصلاح… الثورة الممكنة، دجنبر 2014

•ودادية موظفي العدل (2017)، قراءة في مشروع التنظيم القضائي من موقع الادارة القضائية، النسخة المحالة على مجلس المستشارين بتاريخ 07 يونيو 2016، منشورات مكتب الدراسات لاصلاح و تحديث الادارة القضائية 4، مطابع الرباط نت

•معهد راؤول ويلنبرغ لحقوق الانسان و القانون الانساني و معهد لاهاي لتدويل القانون (2012)، سيادة القانون: دليل للسياسيين



Siam
تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد